النسوية في مرحلة ما بعد الاستقلال: زحف الأحزاب الاسلامية

July 20th, 2016

نعرج على مرحلة ما بعد الاستقلال و زحف الأحزاب الاسلامية الذي كان له أيما تأثير على مسار الحراكة النسوية و نخص بالذكر مرحلة ما بعد الاستقلال أين تميزت هاته الفترة بسيطرة الإسلاميين من حزب إسلامي ومناهضين مقابلة بالحزب الليبرالي المعارض (الحركة الثقافية الأمازيغية) التي كثيرا ما نادت بالمساواة الجندرية، العدالة، ترسيم الأمازيغية كلغة رسمية، وحرية المعتقد والرأي والخيار. التناظر والاختلاف الفادح فيما أتى به الحزبان خلق الكثير من العداء وبرزت إلى السطح العديد من التشققات والنزاعات والتصادمات مما شجع على اتخاذ العنف كغاية ووسيلة لصد النزاعات وإثبات الحضور وفرض سيطرة على الساحة. المثير للاهتمام والطريف في الأمر هو كيف أن المجتمع الجزائري و بتحريض من الحزب الإسلامي أدان كلا من الحركتين: الأمازيغية الليبرالية والحركة النسوية الناشئة بالتواطؤ مع المستعمر الفرنسي، الشيء الذي اعتبر خيانة للمبادئ التي أتت بها الثورة والحزب الحاكم آنذاك. وبهذا تفقد كل من الحركتين مصداقيتها أوتوماتيكيا, الأمر الذي عزز من احتكارية Monopoly الحزب الإسلامي وشجع قواده على الوقوف بوجه كل من وكل ما عاكس ما أتوا به أين وظّفوا العنف واستغلوا كل الطرق في ذلك مبررين أفعالهم بالوقوف بالمرصاد في وجه كل فعل من شأنه أن ”يزعزع التركيبة الاجتماعية المحافظة للجزائر“ أو أن ”يمس بعامل مكانة الدين الإسلامي“ أو التقاليد وبهوية الدولة كدولة إسلامية. لكن ما طبيعة العنف الذي نحن بصدد الحديث عنه؟ العنف اصطلاحا هو فعل التعدي على كيان شخص، فقد يكون جسديا وقد يكون معنويا, أخص بالذكر العنف المطبق على المرأة، فهذا النوع وبهذا النطاق يعكس أفكارا ومبادئ ذكورية بنيت على أساس تفوق الرجل على المرأة، وأخرى تفريقية تحصر وتخص المرأة بمجالات من الحياة فتوقفها على الجنس الأخر والعكس صحيح. مبادئ تغذي ثقافة تهميش المرأة وترسيمها فقط على مناصب ثانوية فرعية، مغروزة برحم المجتمع عن طريق تعزيز ثقافة الفصل ثم الكره بين الجنسين. عادة تظهر في صورة رجل ضد امرأة، فما الحقد المتوارث والصدامات التي نعيشها يوميا إلا تجسيد لهاته المبادئ المعطوبة الاعتباطية والبطريركية التي نستمر بتوارثها جيلا بعد جيل. تشهد دول شمال افريقيا ودول الشرق الأوسط (أين يأخذ بقوانين وأحكام الشريعة الإسلامية إبان المثول أمام القانون) نوعين من أشكال العنف ضد المرأة، عنف خاص شخصي يعرف ضراوة بالحيز الداخلي وعنف عام مطبق من قبل الحيز الاجتماعي الخارجي. تتباين وتتراوح درجات العنف ضد المرأة وكذا أنواعه باختلاف المجتمعات ومختلف التطبيقات والتشريعات المطبقة من منطقة إلى أخرى. المواضيع العنصرية التي أتى بها قانون الأسرة الجزائري سهلت ممارسة العنف ضد المرأة، وسمحت بالممارسة القانونية (شرّعت) للعنصرية، جاعلة من المستحيل على النساء النهوض والانتفاضة ضد هاته الاختراقات الحقيقية، لا لسبب إلا كونها قانونيا مسموحة. فمع بوادر سنة 1980, تحولت النساء رسميا إلى هدف صريح للمتجهين الى الحزب الإسلامي، أين عمدوا إلى التنمر على النساء وطردهن من الساحة الاجتماعية عن طريق استخدام العنف؛ فشنّوا هجومات جسدية تستهدف النساء، والتفتوا إلى تشويه وجوه النساء “السافرات” برمي حمض الأسيد أو التهجم باستعمال الأسلحة البيضاء على كل من تخول لها نفسها الحياد عن الارشادات المسننة. في وجه هاته الاعتداءات المتكررة، والتي غالبا ما تسببت في تشوهات وعاهات مستديمة للضحية، لم تحرك الدولة ولا القوات المسؤولة ساكنا، كانت النسوة وعند تقرّبهن من مصالح الشرطة تشتكين حالهن غالبا ما تقابلن بالاستنكار والنفور. لطالما أخبرن أنهن جنين الأمر على أنفسهن، إنّه السكوت عن الجرم، الذي حركه تارة التواطؤ ومرات أخرى الخوف، هذا الأمر الذي شجع الحزب الإسلامي على أن يبعث بأياديه الأخطبوطية نافثا سمّه إلى مناطق أوسع في الوطن. فالمتعارف عليه بالساحات الدولية أن الطريقة أو التكتيك الذي يقرر بها مجتمع أن يتعامل مع العنف يتضح فعلا بسياسة الدولة في مسائل حقوق الانسان، الديموقراطية والتسيير الجيّد. لكنّ تشريع قانون الأسرة ذاك، دليل على الفشل الذريع للدولة الجزائرية والقائمين عليها أنذاك على كافة الأصعدة السابقة الذكر. ودليل على موقف الدولة الجزائرية من المرأة، من حالتها السياسية كمواطنة، وموقفها الضعيف والبعيد كل البعد عن كونه داعما للحقوق الفردية والأحوال الشخصية للمواطن (من مذهب ولغة). وقد ظهرت وبانت هاته المواقف بعدة مناسبات أين أشاحت الدولة الجزائرية بنظرها عن المظاهرات العديدة التي عرفت نشاطا متواصلا من سنة 1981 إلى غاية 1984، للمطالبة بحل قانون الأسرة التي باءت كلها بالفشل. والملاحظ عند العديد من الحكومات والدول الأخرى الميل الى المساومة بل والتخلي عن حقوق المرأة بمقابل عدم التزحزح من مناصب القوة التي تشبثوا بها أو في بعض الأحيان إخلال الأمن وتفادي كل أنواع الاضطرابات التي قد تودي باستقرارية المجتمع والحالة السياسية آنذاك. في الحالة الجزائرية،

شخصيا، أظنها كانت قليلا من الاثنتين. الطريف بالأمر كون الجبهة الاسلامية للانقاذ ومناهضي الحركو كانوا أبعد من أن يكونوا راضين أو مكتفين بقانون الأسرة المشرع من طرف حكومة الشاذلي، رافضين القانون داعين الى إعادة دراسة كونه لا يوافق الشريعة الإسلامية في بعض نواحيه، وكذا إلى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، وتحوير دستور الدولة الجزائرية الى دستور دولة إسلامية فإسقاط صفة الديموقراطية الشعبية عنها.

شارك
;