الحراك النسوي بالجزائر: البوادر, ديهيا و الاستعمار الفرنسي

July 19th, 2016

نص المقال عبارة عن خطاب حول الحراك النسوي وحقوق المرأة في دزاير، ألقيته خلال مؤتمر المؤسسة الجامعية Institución Universitaria Esumer بكولومبيا ، خلال انعقاده في مارس 2016. ألقي الخطاب الأصلي باللغة الإنجليزية (https://semanainternacionalblog.wordpress.com/2016/03/13/speech-by-nidhal-lamraoui-english/)، وترجم إلى الإسبانية (https://semanainternacionalblog.wordpress.com/2016/03/13/discurso-de-nidhal-lamraoui-espanol/) والفرنسية وهذه هي الترجمة العربية للمحاضرة :

النساء في وطني الجزائر خاصة، وحول العالم إجماعا تعرفن حصارا مطبقا، بإطار مجتمعات أبوية ذكورية عنيفة تجاه النساء وكينونتهن بالمحيط الاجتماعي ومجموعة من القوانين التنظيمية غير عادلة البتة خلقت لتؤطر وتشرع سياسة التفرقة والتمييز العنصريين باعثة إلى السطح أشكالا مختلفة من العنف. ما أنا بصدد تقديمه: تاريخ نضال النساء الجزائريات ضد هاته القوانين التعسفية والتنظيمات الأبوية (البطريركية) التي هدفت إلى قمع حريات المرأة، شخصيات نسوية، معروفة أو مهمشة، فمن الشخصيات من أدركت توجهها وهناك من لم تدركه واعتبرن الأمر محض منعكس شرطي، قد يصدر عن أي شخص كبته وقمعه التاريخ. تلك النساء حاربن أنظمة الاستبداد وتصدين لها بقوة جيش باسل عنيد، بإلحاح وإصرار شديد، من عصور ما قبل التاريخ امتدادا الى عصرنا هذا. قبل أن استهل مقالي هذا والذي لطوله استدعى الأمر تقسيمه الى عدة أجزاء متفرقة , عنونت كل جزء بأهم فكرة تمت معالجتها قبل البدء, أحب أن أسلط الضوء على مصطلحين سيتم تداولهما بكثرة فوجب الوقوف على مفهوميهما، وهما: النسوية: هي ببساطة الفكرة التي تنص على الإيمان بمساواة المرأة والرجل، وهي ايديولوجية سوسيوثقافية، اقتصادية وسياسية تصبوا الى تحسين حالة ووضعية المرأة في كافة الجوانب الحياتية بغية تحقيق العدالة الاجتماعية بين الجنسين. الجزائر: (أو “دزاير”) بلد نشأتي، هي دولة قائمة بشمال إفريقيا، والأصل كونها دولة أمازيغية (أو كما أتى على ألسن المستشرقين والمستغربين في تكنيتها كدولة بربرية) أين اللغة الرسمية الأولى مرسمة لتكون العربية، على غرار كون الجزائر دولة أمازيغية منسوبة للأمازيغ والأجدر كان أن تنسب إليهم بلدا، ثقافة ولغة.

تطبق أحكام الشريعة في بلدي الجزائر مما يجعل منها “دولة إسلامية” تسوسها الأحكام الشرعية وتُحكَّمُ أمام القانون والدستور, الجدير بالاشارة الحقيقة التي مفادها أن التطبيق الاعتباطي لأحكام وشرائع الدين الإسلامي كان ولا يزال السبب الرئيسي الذي ترجع اليه مأساة النساء في بلادي.

دعوني أعود بكم الى زمن حكمت فيه المرأة، فعدلت، بلادً امتدت من تونس الى المغرب عبر الجزائر، أقوى مملكة عرفها الزمان. ديهيا الآوراسية ؛ (أو ذايا) نُصبت ملكة على أخيها، من قبل أبيها الملك الذي التمس فيها الروح القتالية العاتية، الحنكة والنضج المبكرين، أما المؤهلات العسكرية فلم ير لها مثيل. نوميديا كان قبل ذلك اسم المملكة، التي عرفت أيما ازدهار وانتعاش على كافة الأصعدة. التاريخ سطّر مجابهة ديهيا للعرب المستعمرين الذين تمترسوا برسالة الإسلام، بدون كلل أو ملل، بذلت الملكة كل ما أوتيت من قوة في صد زحف العرب على بلاد الأمازيغ وشهد التاريخ لها بذلك. لكنهم تمكنوا منها في النهاية. لم يغير الأمر شيئا، ولم يكن له أدنى تأثير على أراء الشعوب تجاه شخص الملكة. ديهيا كانت ولا زالت رمز المرأة القوية، الحمية والشرسة التي ذادت عن أرضها وأرض شعبها إلى الرمق الأخير ديهيا كانت رمز للحنكة والحيلة العسكرية على طول الخط بكافة امبراطوريات الشرق وكذا الغرب. المثير للاهتمام بالأمر اقتداء كل النساء بشخص ديهيا، حذون حذوها وطالبن بحق المساواة مع الرجال فالعرف والعادة كانا خروج المرأة واحتكاكها بالرجل كتفا لكتف بساحات المعارك، في الحقول والمزارع وكافة نواحي الحياة. تمتعت ديهيا بكم هائل من الحرية، فتحدت كل ضوابط المجتمع، “يحكى” أنها هجرت زوجها الى عشيقها، ومع ذلك طالبت بل وفرضت احترام العدو قبل شعبها. يشهد التاريخ أن ديهيا والنساء بصفة عامة كن شوكة بحلق كل من سولت له نفسه تحقير المرأة، أو استصغار دورها بالمجتمع، ركيزة من الركائز العديدة التي أدرجت إبان حكم ديهيا، ولسان حالها كل امرأة كانت ملكة، كل امرأة كانت امرأة مقاتلة مُميتة.” une femme fatale” … مقت العرب ديهيا بشدة حتّى أطلقوا عليها اسم الكاهنة، واستدلوا في ذلك إلى قدراتها القتالية الخرافية، قوة جسدها، حيلتها الواسعة التي دوخت أقدم وأعتق قواد العسكر، وأبنائها الذكور الثلاثة. فكرة طريفة : جرت العادة في خرافات الساحرات ان تتخذن من البنين ثلاثا وتمتنعن عن البنات فاستند العرب الى هذا في تلقيبها الكاهنة ( والأصل اعتبارها كاهنة أي مشعوذة لمجموعة الصفات السابق ذكرها ) استولى العرب على بلاد الأمازيغ، نصّبوا العربية كلغة تعامل رسمية والدين الاسلامي كدين لا نقاش فيه. أود لفت انتباه القارىء الى كون أول بوادر الحركة النسوية، إن صح القول، لاحت بأيام حكم ديهيا، أين عرفت النساء شأنا عظيما وبذلن في كل مجالات الحياة كما بذل الرجال الى أن أتى المستعمر الفرنسي سنة 1830 وهنا تكمن محطتنا الثانية بتاريخ النشاط النسوي الحقوقي. مليون ونصف المليون شهيد كانت حصيلة حرب دامية والتي خلّفها انتفاض الشعب عام 1954 واستمرت على امتداد تسع سنين إلى غاية عام 1962 أين توجت باستقلال الجزائر ورحيل المستعمر عن التراب الجزائري. كما قلت مسبقا، في عام 1954 عرف النشاط الحقوقي نقطة تحول في مسار تاريخ نضال النساء الجزائريات أين اقتحمن أبواب عديدة وطالبن بإدماجات بأفاق جديدة. مع التركيز على الجانب السياسي والديبلوماسي بكثرة، أين كان لهن أيما تأثير على الصعيد السياسي الاجتماعي الذي عرفته الجزائر آنذاك. التحقت الجزائريات بالجبال كمقاتلات، بالمخيمات العسكرية، وشغلن كافة الوظائف والمهام، قدن العمليات الانتحارية، تطوعن بكافة المؤسسات الإنشائية العسكرية وغير العسكرية كن عسكريات، مقاتلات، مناضلات، مدرسات، ممرضات بالملحقات الطبية وتوغلن بأعالي الجبال يحرصن على تقديم النفيس والغالي في سبيل المشاركة في تحرير البلاد. ومن أجل المشاركة في اتخاذ القرار فاقتحمن عالم السياسة فيما بعد أن كان محصورا على الرجال. كانت النسوة وعن قناعة شخصية تخترن ترك مقاعد الدراسة أو العمل للالتحاق بركب الثورة والانتفاضة، ضاربات بعرض الحائط كل الضوابط الاجتماعية التي فرضت غصبا عليهن من وقت ليس بالبعيد، حاربن الاستعمار الفرنسي بكل ما أوتين من وسيلة أما تلك اللواتي لم يتمكن من الالتحاق بالجبال قبعن في بيوتهن وأصرين على مواصلة النضال عن بعد، فحرصن على تربية وتحضير جيل واع مشبع بالقيم الوطنية الصحيحة لبناء الجزائر المستقلة بالغد القريب. لكن أوَ تعلم شيئا؟ الحرية الشخصية باتخاذ القرار والثورة مفهومان ايديولوجيان متشابهان بالأساس، مكون مكمل الواحد للأخر، إن نحن نظرنا الى الأمر من وجهة نظر المرأة. الثورة ضد المستعمر وكذا في سياق استعادة الحريات الشخصية المسلوبة للنساء. الاثنان ينطلقان من قلب المنزل. في هاته الفترة، نذكر مريم بوعتورة، جميلة بوحيرد، فاطمة هازڨّاغث، لالا فاطمة نسومر، مسيكة زيزا، حسيبة بن بوعلي، زهرة ظريف، قائمة طويلة… العديد العديد من النسوة اللواتي انتفضن ضد المحتل. ضربت نساء بلادي أجمل وأشجع أمثلة في فنون الذود عن الوطن وفدائه بكل غال ونفيس، انتفضن وأعلنّ رفضهن أن يكن تحت سيطرة الأقوى. في المحطة الثانية بتاريخ النسوية، أحبذ أن أبذل اهتماما خاصا وأقف مطولا عند قانون الأسرة التشريعي وكيف له أن حدد مسار الحقوق النسوية في الجزائر

شارك
;