إستطراد النساء من الشارع، تحرش و رسوم إضافية على كوب القهوة المُؤنث -1

أتلقى الكثير من العدائية، الاستنكار و التهكم على الأغلب و في معظم الأحيان عندما أشير الى عدائية المجتمع الجزائري بالخصوص تجاه كل كيان أنثوي : إمرأة، فن، حرية، مظاهر فرحة، أيا حاجة تشم فيها ريحة كيان أنثوي .

متأصلة بكل أوجه و توجهات الحياة الإجتماعية، بادية و جلية إلا لمن أبى . ما إستيلاء الذكور على الساحات الاجتماعية إلا مظهر بسيط من الأشكال العديدة التي تطفو بها الظاهرة إلى السطح .

المرافق العمومية ، استطراد متواصل للنساء من الساحات الاجتماعية . المواصلات ، التي و لم تكن ليَ مرة إلا و عددت الذكور المستقلين للحافلة مقابل أعداد النساء ، أجد الأمر طريفا كون المرأة مجبرة على إقتناء سيارة خاصة لكي لا يكون عليها الخوض في غمار الأمر الذي غالبا ما يكون مأساويا بشكل مقزز – بصفة خاصة – شخصيا أرفض الانصياع لقوانين الذكور التعسفية , بإمكاني تحصيل مبلغ يكفي لشراء سيارة بكنف بضعة أشهر من العمل لكني بهذا الفعل أكون قد انصعت إلى قوانينهم و “اٌستُطرِدْت” أنا الأخرى جزئيا من الساحة الاجتماعية .. يُخَيًل لي أنه و قريبا سننظر الى النساء اللواتي يترحلن بالحافلة العمومية و كأنهن أتين واحدة من الكبائر .. ألا نفعل هذا مع النسوة اللاتي يخرجن ليلا ؟؟ ما هي إلا مسألة وقت و تتحول المسألة الى ظاهرة “دخيلة” و يأتي سليل بلحاج ليصرخ في المنابر و عبر التلفاز : ” ولينا نلقاو نسا في الحافلات و العياذ بالله ” ( الأمر الذي بدأ الزحف و يحدث حاليا ببعض الولايات الداخلية أين استقلال إمرأة لسيارة تاكسي قد يعرضها لإتهامات جدية تضرب مشككة في شرفها و سلامة أخلاقها )

كتب قاسمي فؤاد، صديق مدون لي ، حول خلفية وجل و خوف والدته و التي حدد سنها فقال أنها بالستينات أظن ؟؟ أصغر أبنائها فؤاد نفسه صاحب الخمس و عشرين ربيعا أو أكثر . غير أن الأمر لم يشفع لها كونها لا تستطيع الى يومنا هذا ركوب سيارة تاكسي تقلها الى المنزل إتقاءا من القيل و القال الذي سيأتي على الأخضر و اليابس إن هي فعلت ذلك . إسحاق، صديق آخر لي، مغترب بألمانيا ، عاد لتوه لقضاء عطلة مع العائلة، قرأت له منشورا على حسابه الفايسبوكي بالأسبوع الفارط يناقش فيه الظاهرة، قال أنه لاحظ فرقا شنيعا شاسعا بباتنة ، و هو الذب غاب لسنتين فقط ، و الناس تكذبني كي نقول باتنة تتدعش باليوم الواحد مليار .. أغيب لأشهر لأعود أشهد على خراب . بالله عليكم، من وراء هذا ؟ لا أفهم .

قال أنه لاحظ كيف ينظرون الى المرأة التي تستقل سيارة تاكسي كأنها عاهرة أتت جرما أو واحدة من الكبائر و إستغرب ذلك، بيد أنها ليست و لم تكن العادة . جدتي بالماضي كانت تحرض على أمي و بحضورنا ركوب تاكسي ثم تعودت و اليوم هي نفسها تستعين بها في تنقلاتها و الفضل في ذلك لأمي التي ألحًت على جدتي في تخليها عن هاته الأفكار البالية .

لكن ماذا عن محاولات التحرش الجسدية و المعنوية ؟ النظرات التي تنقسم إلى محتقرة : تلعنك لخروجك من المنزل، لذهابك الى العمل فقط لأن هاته الفئة يخيل لها أنك قد إستوليتي و سلبتي احدهم ما كان لزاما أن يكون من حقه من منصب عمل أو ربما حتى ذلك الكرسي الشاغر بالحافلة ؟ هذه الأخيرة أشفق على أصحابها كثيرا كثيرا كثيرا. الأخرى متحرشة و خلاص، يعريك بعينيه و يحتل كل طرف من جسدك، يملأني القرف من أعلى رأسي الى أخمص قدمي ..أشفق على هؤلاء بالمثل، لكن ليس بالقدر الكافي . الطريف في الأمر، يختلف الأمر كلية إن كنت برفقة ذكر … تختلف النظرات فتقتصر عللى تلك الأخيرة المتحرشة و تكاد تنعدم تلك المحتقرة : راكي معا راجل ضرك راكي فاهمة ؟؟ إحترام كيانك مشروط أساسا بذكر آخر …حاولي أن لا تحرقي نفسك الآن …

المقاهي ؟ لا أفهم الاحتكار ؟ أتذكر جيدا رؤيتي لنساء جالسات بمقهى شعبي بإحدى ولايات القبايل . تبا لكم، حتى بايران بإمكان النسوة الذهاب الى المقاهي ، بعيدا عن كل القيود و الالزامات التي فرضت عليهن أو أنه يجب حقا أن أدفع أضعاف ما كان لزاما أن أدفعه مقابل فنجان قهوة حتى يمكنني الجلوس بأمان ؟؟ نعم حبيبتي، أنت بغضض دفع رسوم إضافية مقابل الحماية و الأمن الاجتماعيين، إعتبريها ضريبة ، لجنسك الأنثى …لكوب قهوتك المؤئنث ،حاولي أن لا تضرمي النار بجسدك ..

لكن على الأقل يتغير الأمر كلية بحضور سواح ..أمزح ، بل هو أسوء :

زارتني صديقة سويدية و شريكها منذ بضعة أشهر، بعد نزولها من القطار بعثت لي برسالة تقول فيها أنها تجلس بمقهى بمقاعد حمراء . وصلت الى العنوان الذي إتفقنا الإلتقاء به و بقيت أبحث عن هاته الكافيتيريا ذات المقاعد الحمراء و وشحت بالنظر كليا عن “القهوة” التي تقابلني لو أنني لم ألحظ العيون و الرؤوس كلها مشرئبة الى بقعة معينة. لا شعوريا، تمنيت أن لا تكون عرضت نفسها للموقف البايخ . مشيت نحو المقهى و لم يعرني أحد الانتباه ، فالبفعل، كل عيونهم كانت على جيني ، إرتحت لرِؤيتها برفقة شريكها. و إلا كان الوضع ليسوء . حيَيْتُها و أخبرتها أنه كان من الأفضل لو أنها تحاشت الجلوس هنا فهو مقهى للرجال فقط . نظرت إلي بإستغراب و كانت على علم بالأمر، فهي بالجزائر منذ أشهر الآن ، قالت :

I know i ‘ wasn’t supposed ‘ to, but i did anyway , these stupid men are taking over the public places and we are not doing anything about it . and Algiers wasn’t this way before, you must claim your seats back again Nidhal.

قالت : أعلم ذلك لكنني تعمدت الدخول و الجلوس . هؤلاء الأغبياء يستولون على الساحات العمومية ثم زحفوا إلى مختلف المرافق العمومية و لا نفعل حيال ذلك شيئا . الشيء الذي هو بالدخيل على الجزائر. لم يكن الوضع هكذا سابقا، صحيح ؟؟ نضال، يجب أن تطالبوا و تسترجعوا ‘ مقاعدكم ‘ المسلوبة .

قبل ذلك، لم أفكر بالموضوع أبدا من هذا المنظور. ترعرعت في بلدة أين كانت قوانين الطبيعة تنص على أن المقاهي من نصيب الرجال، الأسواق، محطات الحافلات و الشارع بأكمله، و أنا ؟؟ ما علي إلا أن أزاحم ، أسعد أحس بأفضلية و فوقية عن نساء أخريات، فعلى الأقل مسموح لي بالخروجج و قصد أي مكان أريد .- لا أبالغ – . مما جعلني أتناسى كليا و لا اراديا رؤيتي لمنظر نساء جالسات على مقهى شعبي لما كنت بمصيف و عائلتي بإحدى ولايات القبايل بعمر السابعة أو الثامنة . فعلا ، حز الأمر في نفسي و لا يزال منذ أشارة جينيفر إليه .

– جيني كاتبة، نسوية، مهتمة بالقضايا الإجتماعية، خاصة تلك المتعلقة بحقوق الانسان و المرأة على وه الخصوص. كانت تكتب ملفا عن حال اللاجئين بالجزائر لما بعثت لي برسالة على الفايسبوك تقول فيها أنها لم تجد أي مواضيع أو ملفات تعالج و تطرح تاريخ الحركات النسوية لفائدة قضايا المرأة بالجزائر – يحز هذا الأمر في نفسي بالمثل .

قعدنا ، لم أطلب شيئا لأنني لو طلبت كان يجب أن أتحدث بالدارجة و لكان رمقني بالنظرة إياها تاع : ” إهاكي نتي منا ، علابالك بالدعوة كيفاه ، اتقعدي .. ” .

فإكتفيت بالجلوس، أنهت قهوتها هي و رحلنا . تمشينا نتجاذب أطراف الحديث ، شريكها سويدي هو الآخر من أصول عربية، راح يخبرني عن رغبته في تجربة رمضان و أنه ينوي صيام أول يوم من دواعي الفضول. رجل كان يمشي بموازاتنا يسترق السمع صرخ بأعلى صوته : هل أنت مسلم ؟؟ أعاد سؤاله مرتين قبل أن يستوقفنا ، أجاب شريك صديقتي بالنفي وهنا تلون وجه من إستوقفنا و راح يردد لماذا ؟ لماذا لست بمسلم ؟ بهيستيرية أرعبت السويدي فحاولت التدخل و أخبرته أنه ضيف و لا يحق له إستوقافنا لسؤال غريب عن ديانته فهو بالعكس لم يهتك بأي من مقدساتك ، فقط كان يقول أنه يريد صيام أول رمضان . الجزائري نظر الي نظرة مستخفة و قال : “هاذي صار نتي جزايرية ؟؟ باه تقنعيه بالإسلام وليتي تقولي يومن بواه حاب ، أنتي أصلا مسلمة ضرك ؟؟ ” أجبت أنني بالفعل أعتبر نفسي كذلك و لو كان الأمر لا يعنيه ، رددت بذات النبرة المستخفة أنه بذات المعاملة قد أرعب الزوج السويدي و جردهما من أية رغبة في استكشاف روح رمضان ما دمتم تشترطون أن يٌدين الواحد بدينكم قبل الصيام أو تقصي روحية رمضان . فكرته : ” الدين معاملة” و لا راني غالطة ؟؟ ما رأيكم أن تٌعاملوا الناس بالحسنى قبل أن تحاسبوهم لعدم الديانة بإسلامكم . عيب عليك و سحبت جيني و شريكها بعيدا عن المزمجر الغيور على دينه …. لم تكن إلا خطوات أخرى و رُشِقنا ب : fuck you bitch و كلمات نابية أخرى لا لسبب بغيرأننا كنا نتحدث بالانجليزية … أتساءل لما السياحة تكاد تكون شبه منعدمة بالجزائر .. محير الأمر .

وقت الغداء، طلبوا مني إقتراحات لأنهم إعتادوا الأكل الشرق أوسطي أما أكل اللوبيا لم يكن خيارا متاحا لأن جيني و شريكها طُردا من مطعم ‘ شعبي’ بالقصبة ، لأنها – مرة أخرى- للرجال فقط . أيضا، صاحب المكان قال أنها قد تسبب له مشاكلا فكل مرتادي المكان نظروا اليها بغرابة … المطعم التقليدي الذي أعرفه إذن، فكرت في نفسي . بالمطعم الجزائري التقليدي، طلبت لهما صحن الشخشوخة، و وعدت أن يتفوق و يُنْسِيهما خيبة طبق اللوبيا الذي تَشَهًتْهُ جيني ، لكنهما نباتيان لا يتغذيان على اللحوم و لا على مشتقات الحيوانات فما كان علي إلا أن قصدت المسؤول عن المطبخ لأسأله إن كان باستطاعته تحضير المرق بدون لحم ، أجاب بالتأكيد ، عند عودتي للتأكيد على الطلب قال أنهم لا يستطيعون فعل ذلك اليوم فالوقت متأخر . و قال انه يستطيع تصفية المرق من اللحم إن وافقوا . شخصيا، كنت نباتية لأكثر من سنة لكن و مع عودتي للجزائر، الخيارات النباتية إنعدمت تقريبا . كان علي أن أدخل تغيرات ، و تدريجيا من التغذي على المرق المطهو باللحم الى التحول عن النباتية بصورة كلية . لست فخورة بالأمر يعني على كل حال . و ذهبت لسؤالهم إن كانوا يمانعون، و طبعا مانعوا ، ما الهدف إن كنت نباتيا تتغذى على مرق به طَهَوْا لحما . عُدت لأعتذر لحاجتنا إلى المغادرة فقال : ” نورمال، نبلعطوهم برك، قوليلهم مرقة جديدة ..” و بهتت، لم يتحرج في اقتراح ذلك و كان باديا أنني صديقة لهما. لكن رغم ذلك ، لم يتحرج في سؤالي ذلك . فقط رحلت، لم أستطع الخوض بدرس في الآداب و الأخلاق مع الآخر .

هذا كان تقريبا نصف يوم قضيته برفقة زوج سائح بالجزائر العظيمة ، رشق بالحجارة. سائق التاكسي يحاول غشنا و محاسبتنا بضعف المبلغ لظنه أن ثلاثتنا سُوًاح ، رشق بالكلمات النابية ، طرد من مطعم ‘ شعبي’ ، محاولة أسلمة بالشارع، و آخرها الطباخ المحتال .

ما زلتم تتساءلون لما السياحة غير مزدهرة ؟؟ والله أتساءل و إياكم ما قد يكون السبب . تعرفون ما يقولون : إن عرف السبب ، بطل العجب .

يٌتمٌ .

شارك
;