أثر مظاهرات وتصادمات أكتوبر 1988 على الحركة النسوية

July 21st, 2016

أتطرق الى مظاهرات وتصادمات أكتوبر 1988 والأثر الذي خلفته على منحى تاريخ الحركة النسوية وحقوق المرأة: التوتر الشعبي الذي ميز سنوات الـثمانينات قاد إلى المظاهرات المعروفة بأعمال شغب أكتوبر 1988. الأمر الذي عرف أمواج نفور واستنكار واسعتين عنها، تجسدت مبدئيا عبر سلسلة من الإضرابات والمسيرات السلمية التي سريعا ما أدت إلى تقهقر الحالة الاجتماعية والتي كانت حصيلتها تضخم وتوسع هاته التصادمات لتشمل مناطق أخرى من الوطن. ما زاد فتيلها حملات التخريب العديدة التي أقدم عليها الشباب مستهدفين المؤسسات والبنايات الحكومية، وقابلت القوات العسكرية هاته التصادمات بالمثل، أين لجأت إلى العنف الذي كان نتاجه حصيلة مرتفعة من الوفيات والجرحى والمتضررين من مئات التظاهرات، وكذا الاعتقالات بصفوف العامة، مما أدى الى كهربة الجو وشحن الشعب بكراهية أشد تجاه الدولة والقوات العسكرية. استغلّ الحزب الإسلامي الأمر لصالحه، أين وظف كل هاته التصادمات في تغذية الانفصالية وخلق قاعدة كره تجاه كل ما هو حكومي أو عسكري، أو بالأحرى كل ما هو غير إسلامي (مدني). وتحركت قواه إلى توظيف الشباب العنيف والحاقد على النظام أين تم ضمّ، فتوظيف، العديد من الشباب الغاضب. بالمقابل عرفت الحركة البربرية والتحررية موجة واسعة من الدعم من طرف الحركات التنويرية الليبرالية وكذا الحركات النسوية التي انتهزت الفرصة لتعبر عن استيائها من الحالة التي آلت إليها البلاد وكذا المطالبة بتنحية الشاذلي، رئيس الدولة آنذاك. خاصة المجموعات النسوية لتي وطوال سنوات الثمانينات حرصت على أن تكون حاضرة بموقفها الرافض تجاه قانون الأسرة في كلّ المناسبات؛ عبر تنظيم مظاهرات (عرفت فيما بعد بمظاهرات المئة امرأة غاضبةومن بعد خمس مائة امرأة غاضبة )بالحريات الديموقراطية. لجوء هاته الحركات الى المطالبة بالتعددية الحزبية كان خطوة مدروسة، اتُّخذت كبديل لحاجة التطرق الى المسائل الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية. وجب التنويه إلى أن الحالة السياسية للنساء بهذه المرحلة عرفت أوْجَها وبالرغم من تشريع القانون الأسري آنذاك، تمكنت النسوة من إعادة احياء الحركة النسوية الجزائرية وتشكيل منظمات ذات أهداف دعوية مكفول حق انشائها بالقانون و لأول مرة، والتي كانت أول بوادرها في أواخر سنوات الأربعينات لكن بصبغة سياسية هاته المرة، الأمر الذي لم يطُل قبل أن تطوله أيدي الحزب الحاكم (حزب جبهة التحرير الوطني) الشيء الذي نصل الحركة والتجمع الاثنان على السواء من التوجه النضالي خصوصا بعد أن تركت كل المناضلات والشخصيات المؤسسة لمقاعد التجمع مخلفين من ورائهم صحراء مقفرة بعالم النشاط النسوي، تم بعث التجمع بثوب جديد من طرف مجاهدات حرب التحرير وكذا بعض من مناهضي حقوق المرأة، تشاركن في هدف واحد ألا وهو القضاء على النصوص العنصرية التي أتت بقانون الأسرة، بعد صدور التشريعات السياسية عام 1988 انتهزن الفرصة لتشكيل الجمعيات الثلاث الأولى من نوعها: جمعية تحرير النساء، جمعية حق المرأة في المساواة امام القانون وجمعية الدفاع وتنمية حقوق المرأة. بالرغم من الفجوة بين كل من الحالة السياسية والاجتماعية من منظور المرأة. الشيء الذي حظر على النسوة التمتع بنشوة الانتماء إلى صياغة القرار. وما زاد الطين بلة كان تطور حضور المنصّي للحزب الإسلامي والذي عرف نشاطا لم يعرفه من قبل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ FIS) وكذا الأجندة البعيدة كل البعد عن الديموقراطية والتي أصدرها الفيس أضف إليه الخطابات المنمقة العنصرية المتشددة الأمر الذي أثار حفيظة الحركات السياسية الليبرالية وكذا التجمعات النسوية، أرعبت وعود الفيس المتكررة التي تمثلت في تنصيب والتطبيق الكامل لأحكام الشريعة بالجزائر إبان وصولهم للحكم. وفي هذا الشأن ارتأوا تعيين وتوظيف الشباب الغاضب والناقم على الساحة السياسية والوضع الذي آلت اليه البلاد أين أودعوهم الكثير من الوعود الكاذبة، فكان كل من انجر وراء هاته المزاعم الشباب العاطل عن العمل، الشريحة التي مثلت أغلبية المجتمع الجزائري آنذاك. استغل الـ”فيس” ساحات الجوامع ومنابر الجمعة لنفث سمومه عبر مكبرات الصوت التي حركت المجاميع الشعبية نحو تبني موقف جد عدائي تجاه المرأة والذي انجر وراءه العديد من الشباب العاطل مقنعين إياه بفكرة ضرورة مكوث النساء ببيوتهن تنفيذا لأمور الاله وضوابطه كربات بيوت وترك مقاعد العمل للشباب العاطل الذي هو بأمس الحاجة إليه (كما يزعمون). الشيء الذي جعل من المجتمع أكثر عدوانية تجاه المرأة، مصورين إياهن كـ ”خطأ و شر“ وجب تداركه أن رغب أحدهم بإصلاح المجتمع الجزائري، وتجلت كل الشرور بشكل امرأة وكل النساء بتلك الحقبة من الزمن، تلك النساء اللواتي انتفضن ضد قانون الأسرة وطالبن بالمساواة مع الرجل، وصفت تلك النسوة بالنساء اللواتي سعين وراء امتلاك حق الزواج بأربع رجال وكان هذا التفسير الوحيد بجعبتهم مقابل كل مطالب المساواة التي رفعنها. نادت جمعية حق المرأة في المساواة أمام القانون إلى تجمع بغية الاحتفال باليوم العالمي للمرأة بعام 1989 مصممات على مواصلة الكفاح ضد سياسات و قوانين التفرقة على أساس الجنس والموثقة كنص قانوني شرعي، المتمثل في معتبرين إياه كحاجز معرقل في طريق إحلال العدالة السياسية والاجتماعية، والمساواة والديمقراطية، وبغياب هاته المكونات السابقة الذكر لن يمكن تحقيق تلك القفزة الثقافية والاجتماعية بحياة المرأة الجزائرية والمجتمع على حد سواء فلا يغيب على عاقل إن هو تفكر بالأمر أن اعتبار المرأة فردا قاصرا تحت لواء القانون يمنع المجتمع ككل من تسلق أصعدة التقدم والولوج بمجتمع ديموقراطي الشيء الذي سيحد من تفشي الفكر المتطرف.

باءت كل المحاولات المتواصلة من طرف الجماعات النسوية لتحسين الصورة الاجتماعية للمرأة بالفشل أو أقله قوبلت بحالة استنفار قصوى وعرفت الكثير من المصادمات والنقد الحاد الذي تعدى حدود وشكليات النقد الصحي ليتم نعتهن واتهامهن بالرغبة في افشاء الانحلال والرذيلة، طعن في مقومات الوطنية التي أتى بها الاستقلال، والصحيح في الأمر كونهم من تخفوا وراء أقنعة المصلحين وأتوا بالإرهاب بكل أشكاله، نزعوا الصحون الهوائية من سطوح منازل العامة وعوضوها بمكبرات الصوت التي ما لبثوا ينفثون عبرها سمومهم. فرضوا أسلوب حياة معينا على المواطنين، كل خطبهم تميزت بالغلاظة، الكره والتحريض على العنصرية خاصة بالعاصمة ”دزاير“، أين عرف نشاط الفيس أوجه إبان هاته الحقبة من الزمن، عرفت كل تفاصيل الحياة اليومية بالجزائر تغييرا جذريا مس كل أوجه الحياة حتى طريقة اللباس والتنقل، مما وضع ضغطا أكبر على النساء حيث كن مجبرات على الامتثال لضوابط واهية بلا خلفية، حجاب فجلباب ف تشادور (اللباس الأفغاني). طبقت على كل من النساء و الشوارع قانون لباس نظامي إلزامي جديد، ومظاهر كانت دخيلة على تكوينة المجتمع الجزائري فيما مضى. مسح سريع لشوارع الجزائر آنذاك سيجعلك ترى الكتابات الحائطية في كل الشوارع. بعبارات جد مخيفة تحمل في طياتها وبصيغة أمر تهديدات لكل من تسول لها نفسها الخروج الى الشارع دون الالتزام بـكود اللباس الالزامي. عبارات على شاكلة: ”كل من تسوّل لها نفسها بالعصيان لها البندقية بالمرصاد“ أو” كل من كشفت عن نفسها لها حساب عسير“، و”النساء منبع كل شر“… وغيرها العديد.

شارك
;